عمر فروخ
250
تاريخ الأدب العربي
3 - مختارات من مقدمة كتاب « طبقات الشعراء » - الشعر وروايته ونحله : والشعر صناعة وثقافة يعرفها أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات : منها ما تثقفه العين « 1 » ، ومنها ما تثقفه الأذن ، ومنها ما تثقفه اليد ، ومنها ما يثقفه اللسان . من ذلك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف ( كلاهما ) بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره . ومن ذلك الجهبذ « 2 » بالدينار والدرهم لا يعرف جودتهما بلون ولا مسّ ولا طراز ولا حسّ ولا صفة ، ويعرفها الناقد عند المعاينة : فيعرف بهرجها « 3 » وزائفها وستّوقها ومفرّغها . . . . وإنّ كثرة المدارسة تعين على العلم . وكان ممن هجّن الشعر وأفسده وحمل كل غثاء « 4 » محمد بن إسحاق ، وكان من علماء الناس بالسّير ، فنقل الناس عنه الأشعار . وكان يعتذر منها ويقول : « لا علم لي بالشعر ، إنما أوتى به فأحمله » . ولم يكن ذلك له عذرا ! فكتب ( ابن إسحاق ) في السّير من أشعار الرجال الذين لم يقولوا شعرا قط ومن أشعار النساء . . . تم جاوز ذلك إلى عاد وثمود . أفلا يرجع إلى نفسه فيقول : من حمل هذا الشعر ومن أدّاه إلينا منذ ألوف من السنين ؟ واللّه يقول : « وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى وَثَمُودَ فَما أَبْقى » « 5 » . . . . ففصّلنا ( في هذا الكتاب ) الشعراء من أهل الجاهلية والإسلام والمخضرمين ، ونزّلناهم منازلهم ، واحتججنا لكل شاعر بما وجدنا له من حجّة وما قال العلماء فيهم . وقد اختلف الرواة فيهم : فنظر قوم من أهل العلم
--> ( 1 ) تثقفه العين : تفطن له وتدركه ثم تحذق فيه حتى يصبح ملكة لها . ( 2 ) الجهبذ ( بكسر الجيما والباء ) : الناقد الخبير ( من الناحية النظرية ) . الناقد : العارف ( من الناحية العملية ) بتمييز الدراهم والمتعود قبضها ( راجع القاموس 1 : 241 - 242 ) . ( 3 ) البهرج : الباطل الرديء ( المصنوع على شكل الدرهم والدينار ، ليس عملة أصلا ! ) . الزائف : الدرهم أو الدينار إذا مزجا بمعدن غريب ( في أثناء سكهما ) . الستوق ( بفتح السين أو ضمها وبتشديد التاء وبالقاف ) والتستوق ( بضم التاءين ) : الدرهم الملبس بالفضة ( والدينار الملبس بالذهب ) . المفرغ : ( الدرهم أو الدينار الذي يثقب فيستخرج شيء من معدنه ثم يملأ مكانه بمعدن آخر يدانيه في الوزن النوعي ويقل عنه في القيمة ) . ( 4 ) هجن الشعر : أدخل فيه ما ليس من جنسه ( زاد فيه ما ليس منه ) . حمل كل غثاء : روى ( من الشعر ) ما لا صحة له . السير جمع سيرة : تاريخ رجل واحد . ( 5 ) القرآن الكريم 53 : 50 - 51 ( سورة النجم ) .